موقع الإسلام سؤال وجواب - الموقع بإشراف الشيخ محمد صالح المنجد - حفظه الله -
حديث الأعمى وتوسله بالرسول ﷺ
[السُّؤَالُ]
ـ[الحديث: أن أعمى أتى إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يكشف عن بصري، فقال: فانطلق فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل: (اللهم إني أسألك وأتوجه إليك نبينا محمد ﷺ نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فيقضي حاجتي) ما صحة هذا الحديث وما معناه؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"هذا الحديث اختلف أهل العلم في صحته فمنهم من قال: إنه ضعيف، ومنهم من قال: إنه حسن، ولكن له وجهة ليست كما يتبادر من اللفظ، فإن هذا الحديث معناه أن النبي ﷺ أمر هذا الرجل الأعمى أن يتوضأ، ويصلي ركعتين ليكون صادقًا في طلب شفاعة النبي ﷺ له، وليكون وضوؤه، وصلاته عنوانًا على رغبته في التوسل بالنبي ﷺ والتوجه به إلى الله ﷾؛ فإذا صدقت النية، وصحت، وقويت العزيمة فإن النبي ﷺ يشفع له إلى الله ﷿؛ وذلك بأن يدعو النبي ﷺ له. فإن الدعاء نوع من الشفاعة، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا إلا شَفَّعهم الله فيه) .
فيكون معنى هذا الحديث أن هذا الأعمى يطلب من النبي ﷺ أن يدعو الله له؛ لأن هذا الدعاء نوع شفاعة. أما الآن وبعد موت النبي ﷺ فإن مثل هذه الحال لا يمكن أن تكون لتعذر دعاء النبي ﷺ لأحد بعد الموت، كما قال النبي ﷺ: (إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)، والدعاء بلا شك من الأعمال التي تنقطع بالموت؛ بل الدعاء عبادة، كما قال الله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) غافر/٦٠، ولهذا لم يلجأ الصحابة ﵃ عند الشدائد وعند الحاجة إلى سؤال النبي ﷺ أن يدعو الله لهم؛ بل قال عمر بن الخطاب ﵁ حين قحط المطر: (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون) وطلب من العباس ﵁ أن يدعو الله ﷿ بالسقيا فدعا فسقوا. وهذا يدل على أنه لا يمكن أن يطلب من رسول الله ﷺ بعد موته أن يدعو لأحد؛ لأن ذلك متعذر لانقطاع عمله بموته صلوات الله وسلامه عليه؛ وإذا كان لا يمكن لأحد أن يطلب من النبي ﷺ أن يدعو له بعد موت النبي ﷺ فإنه لا يمكن ومن باب أولى أن يدعو أحد النبيَّ ﷺ نفسه بشيء من حاجاته أو مصالحه؛ فإن هذا من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله؛ والذي حرم الله على من اتصف به الجنة، قال الله تعالى: (وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنْ الظَّالِمِينَ) يونس/١٠٦. وقال تعالى: (فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ) الشعراء/٢١٣؛ وقال الله ﷿: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) المؤمنون/١١٧؛ وقال تعالى: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَار) المائدة/٧٢.
فالمهم أن من دعا رسولَ الله ﷺ بعد وفاته أو غيره من الأموات لدفع ضرر أو جلب منفعة فهو مشرك شركًا أكبر مخرجًا عن الملة، وعليه أن يتوب إلى الله ﷾، وأن يوجه الدعاء إلى العلي الكبير الذي يجيب دعوة المضطر إذا دعاه ويكشف السوء.
وإني لأعجب من قوم يذهبون إلى قبر فلان وفلان يدعونه أن يفرج عنهم الكربات ويجلب لهم الخيرات وهم يعلمون أن هذا الرجل كان في حال حياته لا يملك ذلك، فكيف بعد موته، بعد أن كان جثة وربما يكون رميمًا قد أكلته الأرض فيذهبون يدعونه، ويتركون دعاء الله ﷿ الذي هو كاشف الضر، وجالب النفع والخير، مع أن الله تعالى أمرهم بذلك وحثهم عليه فقال: (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) غافر/٦٠. وقال الله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) البقرة/١٨٦. وقال تعالى منكرًا على من دعا غيره: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ) النمل/٦٢.
أسأل الله تعالى أن يهدينا جميعًا صراطه المستقيم" انتهى.
"مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين" (٢/٢٧٤) .
فالحديث لا يدل على جواز التوسل بجاه النبي ﷺ كما ذهب إليه البعض، بل الحديث يدل على أن هذا الرجل توسل بدعاء النبي ﷺ فقوله: (اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد) أي: بدعاء نبينا محمد، وقوله: (يا محمد إني أتوجه بك إل ربي) أي: بدعائك.
ويدل على هذا:
١- أن هذا الرجل، جاء إلى النبي ﷺ وطلب منه أن يدعو له، ولو كان مراده التوسل بجاهه ﷺ لقعد في بيته، وقال: اللهم إني أتوسل إليك وأسألك بجاه محمد.
٢- من جملة الدعاء الذي علمه الرسول ﷺ: (اللهم فشفعه فيّ، وشفعني فيه) أي: اقبل شفاعة النبي ﷺ فيّ، والشفاعة هي الدعاء، فيكون الرسول ﷺ قد دعا له.
وقوله: (وشفعني فيه) أي: اقبل دعائي أن تقبل دعاءه.
قال الألباني ﵀ في كتاب التوسل ص (٧٣، ٧٤):
"إن مما علم النبي ﷺ الأعمى أن يقوله: (وشفعني فيه) أي: اقبل شفاعتي أي دعائي في أن تقبل شفاعته ﷺ أي دعاءه في أن ترد علي بصري. هذا الذي لا يمكن أن يفهم من هذه الجملة سواه.
ولهذا ترى المخالفين يتجاهلونها ولا يتعرضون لها من قريب أو من بعيد، لأنها تنسف بنيانهم من القواعد، وتجتثه من الجذور، وإذا سمعوها رأيتهم ينظرون إليك نظر المغشي عليه. ذلك أن شفاعة الرسول ﷺ في الأعمى مفهومة، ولكن شفاعة الأعمى في الرسول ﷺ كيف تكون؟ لا جواب لذلك عندهم البتة، ومما يدل على شعورهم بأن هذه الجملة تبطل تأويلاتهم أنك لا ترى واحدا منهم يستعملها، فيقول في دعائه مثلا: اللهم شفع فيّ نبيك وشفعني فيه" انتهى.
وانظر لتفصيل الكلام على هذا الحديث: كتاب "التوسل" ص (٦٨-٩٣) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
[السُّؤَالُ]
ـ[الحديث: أن أعمى أتى إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يكشف عن بصري، فقال: فانطلق فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل: (اللهم إني أسألك وأتوجه إليك نبينا محمد ﷺ نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فيقضي حاجتي) ما صحة هذا الحديث وما معناه؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
"هذا الحديث اختلف أهل العلم في صحته فمنهم من قال: إنه ضعيف، ومنهم من قال: إنه حسن، ولكن له وجهة ليست كما يتبادر من اللفظ، فإن هذا الحديث معناه أن النبي ﷺ أمر هذا الرجل الأعمى أن يتوضأ، ويصلي ركعتين ليكون صادقًا في طلب شفاعة النبي ﷺ له، وليكون وضوؤه، وصلاته عنوانًا على رغبته في التوسل بالنبي ﷺ والتوجه به إلى الله ﷾؛ فإذا صدقت النية، وصحت، وقويت العزيمة فإن النبي ﷺ يشفع له إلى الله ﷿؛ وذلك بأن يدعو النبي ﷺ له. فإن الدعاء نوع من الشفاعة، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا إلا شَفَّعهم الله فيه) .
فيكون معنى هذا الحديث أن هذا الأعمى يطلب من النبي ﷺ أن يدعو الله له؛ لأن هذا الدعاء نوع شفاعة. أما الآن وبعد موت النبي ﷺ فإن مثل هذه الحال لا يمكن أن تكون لتعذر دعاء النبي ﷺ لأحد بعد الموت، كما قال النبي ﷺ: (إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)، والدعاء بلا شك من الأعمال التي تنقطع بالموت؛ بل الدعاء عبادة، كما قال الله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) غافر/٦٠، ولهذا لم يلجأ الصحابة ﵃ عند الشدائد وعند الحاجة إلى سؤال النبي ﷺ أن يدعو الله لهم؛ بل قال عمر بن الخطاب ﵁ حين قحط المطر: (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون) وطلب من العباس ﵁ أن يدعو الله ﷿ بالسقيا فدعا فسقوا. وهذا يدل على أنه لا يمكن أن يطلب من رسول الله ﷺ بعد موته أن يدعو لأحد؛ لأن ذلك متعذر لانقطاع عمله بموته صلوات الله وسلامه عليه؛ وإذا كان لا يمكن لأحد أن يطلب من النبي ﷺ أن يدعو له بعد موت النبي ﷺ فإنه لا يمكن ومن باب أولى أن يدعو أحد النبيَّ ﷺ نفسه بشيء من حاجاته أو مصالحه؛ فإن هذا من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله؛ والذي حرم الله على من اتصف به الجنة، قال الله تعالى: (وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنْ الظَّالِمِينَ) يونس/١٠٦. وقال تعالى: (فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ) الشعراء/٢١٣؛ وقال الله ﷿: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) المؤمنون/١١٧؛ وقال تعالى: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَار) المائدة/٧٢.
فالمهم أن من دعا رسولَ الله ﷺ بعد وفاته أو غيره من الأموات لدفع ضرر أو جلب منفعة فهو مشرك شركًا أكبر مخرجًا عن الملة، وعليه أن يتوب إلى الله ﷾، وأن يوجه الدعاء إلى العلي الكبير الذي يجيب دعوة المضطر إذا دعاه ويكشف السوء.
وإني لأعجب من قوم يذهبون إلى قبر فلان وفلان يدعونه أن يفرج عنهم الكربات ويجلب لهم الخيرات وهم يعلمون أن هذا الرجل كان في حال حياته لا يملك ذلك، فكيف بعد موته، بعد أن كان جثة وربما يكون رميمًا قد أكلته الأرض فيذهبون يدعونه، ويتركون دعاء الله ﷿ الذي هو كاشف الضر، وجالب النفع والخير، مع أن الله تعالى أمرهم بذلك وحثهم عليه فقال: (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) غافر/٦٠. وقال الله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) البقرة/١٨٦. وقال تعالى منكرًا على من دعا غيره: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ) النمل/٦٢.
أسأل الله تعالى أن يهدينا جميعًا صراطه المستقيم" انتهى.
"مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين" (٢/٢٧٤) .
فالحديث لا يدل على جواز التوسل بجاه النبي ﷺ كما ذهب إليه البعض، بل الحديث يدل على أن هذا الرجل توسل بدعاء النبي ﷺ فقوله: (اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد) أي: بدعاء نبينا محمد، وقوله: (يا محمد إني أتوجه بك إل ربي) أي: بدعائك.
ويدل على هذا:
١- أن هذا الرجل، جاء إلى النبي ﷺ وطلب منه أن يدعو له، ولو كان مراده التوسل بجاهه ﷺ لقعد في بيته، وقال: اللهم إني أتوسل إليك وأسألك بجاه محمد.
٢- من جملة الدعاء الذي علمه الرسول ﷺ: (اللهم فشفعه فيّ، وشفعني فيه) أي: اقبل شفاعة النبي ﷺ فيّ، والشفاعة هي الدعاء، فيكون الرسول ﷺ قد دعا له.
وقوله: (وشفعني فيه) أي: اقبل دعائي أن تقبل دعاءه.
قال الألباني ﵀ في كتاب التوسل ص (٧٣، ٧٤):
"إن مما علم النبي ﷺ الأعمى أن يقوله: (وشفعني فيه) أي: اقبل شفاعتي أي دعائي في أن تقبل شفاعته ﷺ أي دعاءه في أن ترد علي بصري. هذا الذي لا يمكن أن يفهم من هذه الجملة سواه.
ولهذا ترى المخالفين يتجاهلونها ولا يتعرضون لها من قريب أو من بعيد، لأنها تنسف بنيانهم من القواعد، وتجتثه من الجذور، وإذا سمعوها رأيتهم ينظرون إليك نظر المغشي عليه. ذلك أن شفاعة الرسول ﷺ في الأعمى مفهومة، ولكن شفاعة الأعمى في الرسول ﷺ كيف تكون؟ لا جواب لذلك عندهم البتة، ومما يدل على شعورهم بأن هذه الجملة تبطل تأويلاتهم أنك لا ترى واحدا منهم يستعملها، فيقول في دعائه مثلا: اللهم شفع فيّ نبيك وشفعني فيه" انتهى.
وانظر لتفصيل الكلام على هذا الحديث: كتاب "التوسل" ص (٦٨-٩٣) .
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
684